عبد الوهاب الشعراني

301

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

قام بواجب حق ولايته كان إبليس له بالمرصاد ، فيدخل عليه الأمور التي يتقلق منها حتى يكاد يجزم بأنه يعزل نفسه من تلك الولاية ، وذلك مجرب لتحويل النعم والعزلة من تلك الولاية ، ثم إذا عزل يحرك اللّه تعالى عنده الندم عليها فيطلبها ويعسرها عليه حتى يقهره ويصير كالولي الذي سلب . وقد وقع لبعض إخواننا أنه تقلق من كثرة الواردين عليه وكلفتهم ومؤنتهم فقلت له : إن الناس يتمنون أن يكونوا موضعك في النعمة ويصبرون على ضيافة الناس وقضاء حوائجهم ، فقال : اخترت أن أدخل مصر وأسكن في بيت من غير زاوية ولا مريدين ، ففي تلك الجمعة قيض اللّه تعالى له من زور له مكاتيب ، وادعى أن تلك الرزقة الموقوفة على سماط الفقراء الواردين والمقيمين له ، وصار شيخ الزاوية يبرطل الحكام على رجوعها فلم يجيبوه إلى وقتنا هذا ، فذكرته بقوله فاستغفر . فاصبر يا أخي على رعيتك كلما ملت نفسك منهم ، واعذر كل من فر من ولايته في هذا الزمان المبارك ، ولا تسخر به تبتل بنظير ذلك . وقد حكى لي الأمير محيي الدين بن أبي أصبغ أحد أركان الدولة بمصر : أن شخصا كان له جار من القضاة سيىء الخلق ، وكان يخرج خلقه على الأخصام ، فكان جاره يبالغ في الإنكار عليه ويقول : إيش هذا الخلق ، وكان لذلك القاضي بيت فوق مجلس حكمه فلما أكثر عليه جاره من الإنكار ، قال له : احكم يا أخي مكاني غدا ، لأني أنا عازم على شرب دواء فقال نعم ، فجاءه خصم ادعى على خصمه أن له عنده مائة دينار ، فقال : ما له عندي شيء ، فالتمس من المدعي البينة فأتى بثمانية يشهدون بها ، فقال : هؤلاء شهود زور ، فأتى بمزكين فزكوهم ؛ فثبت الحق على ذلك الخصم ، وطلب التقسيط عليه ، فأبى صاحب الحق ، فما أجاب إلا بعد أن كادت روحه تزهق منه ، فقال كما تقدر كل يوم على نصف ، فقال لا أقدر على ذلك ، فجعل عليه ذلك القاضي عثمانيا كل يوم ، فقال : لا أقدر ، فقال : كل جمعة عثماني ، فقال : لا أقدر ، فقال : كل شهر عثماني ، فقال : لا أقدر فقال كل سنة عثماني فقال : لا أقدر ، فقام القاضي النائب ورمى عمامة نفسه وصار ينطحه برأسه ويرفسه برجله وهو يقول : لا أقدر على عثماني ، ثم نادى القاضي الأصيل ، فقال تعال أنزل لحكمك عذرتك عذرتك عذرتك ا ه . وما ذكرت لك ذلك يا أخي إلا لتقيم الأعذار للناس في هذا الزمان إذا لم يصبروا على رعيتهم ، فإنهم في النصف الثاني من القرن العاشر الذي اختفى فيه أكابر الأولياء لعجزهم عن شروط الظهور من الصبر على مروق الناس من الحق وتكليفهم الولي أن يرد عنهم الأقدار مع تماديهم على القبائح فاعلم ذلك : وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وروى الشيخان مرفوعا : « سبعة يظلّهم اللّه في ظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه » . فذكر منهم